عماد الدين الكاتب الأصبهاني

545

خريدة القصر وجريدة العصر

بالدماء ، وإن كان جرذا مسنا ، لم يضع عليه سنا ، وإن كان درصا صغيرا فغر عليه فاه ، وقبض مترفقا على قفاه ، ليزداد منه تشهيا ، وبه تلهيا ، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنة ، والأبطال بالأسنّة ، فإذا أوجعه عضّا ، وأوعبه « 1 » رضّا ، أجهز في الفور عليه ، وعمد بالأكل إليه ، فازدرد منه أطيب طعمة ، واعتقده أهنأ نعمة ، ثم أظهر بالالتعاق شكره ، وأعمل في غيره فكره ، فرجع إلى حيث أثاره ، وتتبّع آثاره ، راجيا أن يجد في رباعه ، ثانيا من أتباعه ، فيلحقه بصاحبه في الردى ، حتى يفني جميع العدى ، وربما انحرف عن هذه العوائد ، والتقط القتات من حول الموائد ، إبلاغا في الاحتماء ، وبروزا في النعماء ، فما له على خصاله ثمن ، ولا جاء بمثاله زمن . وقد أوردت - أدام اللّه عزك - من وصفه فصلا معربا « 2 » ، وهزلا مطربا ، إخلاصا من الطوية واسترسالا ، وتسريحا للسجية وإرسالا ، على أني إذا استعرت في لغته لسان أبي عبيد ، وأظهرت في صفته شأن أبي زبيد ، ما انتهيت في النطق إلى نصابك ، ولا احتويت في السبق على قصابك « 3 » ، واللّه تعالى يبقيك لثمر النبل جانيا ، ولدرج الفضل بانيا ، ما طلع في أفق بدر ، وانطبق على قلب صدر ، إن شاء اللّه تعالى . وكتب معزيا : كتبت - أعزك اللّه - والجوانح ملتهبة ، واللوعة للسلو منتهبة ، والدموع متسربة ، والضلوع مضطربة ، لوفاة من هدت [ ركن ] « 4 » المجد وفاته ، وأعيت الواصف صفاته ، وأحسنت مساعيه ، وأخصبت للرائد مراعيه ، فوا رحمة للحسب قبضت روحه ، وللأدب ركدت ريحه ، وللذكاء خبت شعله ، وللعلاء تمزّقت حلله ، لقد نصب من الصبر عدّه ، وعاد شحاحا زنده ، وذوى عراره المتنسم [ ورنده ] « 4 » ، وحق له أن يقفر ضلوعا ، ولا

--> ( 1 ) ق : أرعبه . . . ( 2 ) ق : مغربا . . . ( 3 ) ق : فضائلك . . . ( 4 ) سقط ما بين المعقفين من الأصل .